قضايا وآراء

كتب معاصرة مفقودة.. ماذا لو وجدناها؟!

النادر والغريب في زماننا، أن نجد كتبا لمعاصرين مفقودة، ويعلن عن ذلك الفقد المؤلف نفسه، أو أحد المقربين منه.. عربي21
اشتهر في تراثنا العربي والإسلامي الحديث عن كتب ومؤلفات، لأئمة وأعلام منذ مئات السنين، وكثيرا ما تجد مؤلفين لهم كتب منها المنشور، ومنها المخطوط الذي لم ينشر بعد، ومنها ما تجد المترجمين يقولون عنه: وهذا مصنف مفقود للمترجم، أي: أنه كتاب رآه معاصرون للمؤلف، أو لاحقون له، ولكن لم يعثر على نسخة من الكتاب، وفقد في أحداث كالحروب، مثل حرب التتار، وما فعلوه بمكتباب العراق، أو لتعرض المؤلف نفسه لكارثة أفقدته ما لديه.

ولكن النادر والغريب في زماننا، أن نجد كتبا لمعاصرين مفقودة، ويعلن عن ذلك الفقد المؤلف نفسه، أو أحد المقربين منه، وقد وقفت على عدد من الكتب المعاصرة التي فقدت، ويبدو من عناوينها، أنها كتب ذات أهمية كبيرة، فماذا لو وجدناها، ما الإضافة التي ستضيفه في هذا المجال، وماذا عن موقف باحثين أو كتاب، لهم رأي معين في المؤلف، لو ظهر كتابه المفقود، لتغير رأيهم، أو كان على غير ما يتبنون من آراء أو أحكام نحو فكره.

"أمريكا التي رأيت" لسيد قطب

من الكتب التي فقدت، ولم يعثر عليها، كتاب مهم للأستاذ سيد قطب، والكتاب عن موضوع من المؤكد أنه يثير الجدل، وسيكشف عن مرحلة مهمة من حياته، تلك الحياة المليئة بالمحطات والتحولات الفكرية، فقد كان عنوان كتابه: (أمريكا التي رأيت)، حيث إنه سافر إلى أمريكا من عام 1948 حتى عام 1950، وهي مرحلة مر بها سيد بتحولات فكرية كبيرة، فهي مرحلة انتقال سيد من حالة الناقد الأدبي، إلى حالة المفكر الإسلامي.

والكتاب ضاع وفقد من سيد، ولم يعثر عليه، كما صرح بذلك سيد نفسه، وأكده شقيقه المفكر الراحل محمد قطب، وإن حاول الدكتور صلاح الخالدي أن يجمع مقالات لسيد عن أمريكا، كتبها أثناء بعثته إليها، وعند عودته، لكنها مقالات عن مواقف معينة، أشبه بمقالات رأي، بينما يبدو من الكتاب، أنه أكثر شمولا، واتساعا، وتأصيلا وتسلسلا، وهو المعهود في كتابة سيد، فهل كان سيد في الكتاب ومواقفه كما كان في أواخر حياته، أو اختلفت النظرة، وقد نشرت له وقت تواجده في أمريكا مقالات كانت رسائل لأصدقائه، وأخته، كانت له فيها تأملات في المجتمع والنفس والموت، وقد جمع بعضها في رسالة بعنوان: (أفراح الروح)، وفيها اختلاف عن بعض مواقفه في نظرته للعصاة، ونظرته للمجتمع، ونظرته للدعاة ودورهم.

كتاب عن حسن البنا للبيومي

ومن الكتب التي فقدت، وأعلن ذلك المؤلف، كتاب عن الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله، كتبه الأستاذ الدكتور محمد رجب البيومي، وهو صاحب قلم سيال، وعطاء فكري واسع، وقد كتب موسوعة من ست مجلدات كبار، بعنوان: (النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين)، وكتب ترجمة للبنا، لكنها ليست كالكتاب الذي فقد، وهل كان بفعل فاعل، أم بخطأ غير مقصود؟

من الكتب التي فقدت، ولم يعثر على ملخص لها، أو عرض لفكرتها، كتاب ألفه المرحوم الدكتور مصطفى السباعي، والذي كان مراقبا عاما للإخوان المسلمين في سوريا، وله كتابات مهمة، ولا تزال موضع نفع واستفادة، وكان له مراجعات كذلك في مساهمات دعوية وفكرية، كموقفه من التقريب بين السنة والشيعة، والحوار بين الأديان، وقضايا أخرى كان له فيها رأي نابع عن تجربة ثرية للرجل.
وقد تكلم البيومي عن فقده الكتاب فقال: (كان من قدري مع الإمام الشهيد حسن البنا أن أكتب عنه كتابا يجمع كل ما قدرت عليه من تاريخه وأعماله الباهرة، ثم أسلم الكتاب لإحدى المطابع الموثوق في إدارتها، فأفجع فيها، إذ تعللت بأن الكتاب قد سرق، وهو ما لم يحصل من قبل في تاريخها، وظننت أنها أجبرت على إغفاله، فتعللت بما تعللت، ولم أكن أحتفظ بأصل للكتاب، لأن شدة شعوري بمعانيه جعلتني أكتبه في سهولة خاطفة، وكأني أتحدث مع صديقي، ولا أسجل الحقائق في كتاب، ثم حاولت أن أكتب من جديد فأجد فتورا يثبطني، إذ يخيل إلي أني لا أبلغ ما بلغت من قبل، وكان عزائي أن ملحمتي الشعرية عن الإمام الشهيد تكفي لإيضاح مشاعري الصادقة نحو جهاده البطولي).

ومن الواضح أن الكتاب مفقود عن عمد، فما معنى أن مطبعة كبرى بالحجم الذي قال عنه البيومي، يفقد فيها كتاب، من الواضح أنها تعرضت لضغوط، وهذا وارد جدا، وهنا سؤال: ماذا لو وجدنا الكتاب، فما موقف من يعادون حسن البنا، بدعوى أنهم أزهريون، وقد كتب عالم كبير، ومفكر له ثقله كالبيومي كتابا بهذا الحجم، ويثبت فيه إمامة البنا وعلمه، وبماذا سيردون عن موقفه، فضلا عن مواقف آخرين أيضا من قامات كبيرة في الأزهر، شهدت لحسن البنا بنفس ما شهد بالبيومي؟!

كتاب للسباعي عن خيانات غير المسلمين

ومن الكتب التي فقدت، ولم يعثر على ملخص لها، أو عرض لفكرتها، كتاب ألفه المرحوم الدكتور مصطفى السباعي، والذي كان مراقبا عاما للإخوان المسلمين في سوريا، وله كتابات مهمة، ولا تزال موضع نفع واستفادة، وكان له مراجعات كذلك في مساهمات دعوية وفكرية، كموقفه من التقريب بين السنة والشيعة، والحوار بين الأديان، وقضايا أخرى كان له فيها رأي نابع عن تجربة ثرية للرجل.

أما كتابه المفقود، فحدثني عنه تلميذه الدكتور عدنان زرزور حفظه الله، فقد كتب السباعي كتابا جمع فيه حالات الخيانة التي تمت في التاريخ الإسلامي من غير المسلمين للمجتمع أو الدولة الإسلامية، وقد رأى زرزور الكتاب حين أطلعه عليه السباعي، وبعد وفاته مباشرة، كلم زرزور أصهار السباعي عن الكتاب، وأنه يخشى أن يضيع، فقال له صهره: تفضل وابحث عنه، فدخل المكتبة، حيث كان الكتاب، وحيث وضعه السباعي بنفسه، فلم يجد للكتاب أثرا في المكتبة، وفقد تماما، وهل فقد هنا بفعل فاعل، أو كان السباعي تحت المراقبة، وسرق الكتاب، وفقد، كلها احتمالات، والعلم عند الله تعالى.

Essamt74@hotmail.com