قضايا وآراء

وهْم رعاة التّهجير وتوهّم دعاة التطبيع.. سلامٌ دون حرب وأرضٌ بلا سلاح!!

فريد بغداد
"العائق أمام المخطط هو سلاح المقاومة بالدرجة الأولى وسكان غزة والضفة"- جيتي
"العائق أمام المخطط هو سلاح المقاومة بالدرجة الأولى وسكان غزة والضفة"- جيتي
منذ أن رفع ترامب قلمه الذي اعتاد أن يوقع به قراراته الغريبة بإزاء مكتبه الفخم ليقارن بين مساحة إسرائيل التي بدت له صغيرة جدّا بالنسبة إلى مساحة الشرق الأوسط، أصبحت مخاوف توسعها لتقضم مساحات من دول عربية مجاورة حقيقة ماثلة، وغدا مشروع دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات مطروحا للتنفيذ، حتى يخرج من دائرة الحلم الصهيوني إلى فضاء العلاقات الدولية والسياسة الخارجية بين الولايات المتحدة والدول العربية.

لا يكتفي ترامب بالتخيلات الوهمية، إنه يفضل عليها حقائق الواقع الذي يصنعه بأسلوب فج معهود ووقاحة لا يستحي أن يفرضها طريقة عقلانية، على العالم أن يرضى بها حتى وإن لم تكن معقولة، فهو لا يؤمن بالعقل من الناحية الأسلوبية بل بما يحكمه من موازين ربح وخسارة.

وطالما يؤمن ترامب بغلبة "الحقّ اليهودي" على ما سواه من المُثل، فإنّ الإنسان اليهودي الذي يسيطر على المال في أمريكا أكبر اقتصاد في العالم لا يمكن مقارنته بما عداه من البشر الذين عليهم أن يرضوا بحظهم في الترتيب العرقي، ويفسحوا الطريق أمام أسياد العالم حتى يحصلوا على ما يريدون من أراض تكفي تعدادهم السكاني فأراضيهم شاسعة جدا، حتى ولو أدى ذلك إلى تساقط الآلاف من بينهم فهم بمئات الملايين.

كان تنفيذ إسرائيل لعملية التهجير في سياق مخاتلتها للسلطة الفلسطينية عبر وهم "الأرض مقابل السلام"، عبارة عن هدف استراتيجي لطموح استعماري توسعي رصدت له وسائل تكتيكية الغرض منها فرض الواقع الإسرائيلي بالتدريج حتى لا يشعر الفلسطينيون بوقوعه فجأة، على غرار سياسات جدار الفصل العنصري وقضم الأراضي والاستيلاء عليها وإحلال المستوطنين وتفتيت الضفة وحصار غزة، وتعقيد يوميات الفلسطينيين بين العمل ومشاغل الحياة التي جعلتها المعابر والحواجز والمنافذ مهينة وشبه مستحيلة

بالنسبة لإسرائيل فإنّ تنفيذها لما يفكر به ترامب اليوم بدأ قبل ثلاثة عقود، وتحديدا منذ اعترافها المخادع بسلطة أوسلو وبحق الفلسطينيين بدولة مستقبلية في إطار وعود زائفة، وإن كانت قد حاولت طرح مشاريع للتهجير قبل هذا التاريخ في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات في سيناء، بل إنّ احتلالها للأراضي الفلسطينية وتوسعها عليها كان يجري بالموازاة مع تهجير الفلسطينيين وإجبارهم على اللجوء في أصقاع العالم.

لقد كان تنفيذ إسرائيل لعملية التهجير في سياق مخاتلتها للسلطة الفلسطينية عبر وهم "الأرض مقابل السلام"، عبارة عن هدف استراتيجي لطموح استعماري توسعي رصدت له وسائل تكتيكية الغرض منها فرض الواقع الإسرائيلي بالتدريج حتى لا يشعر الفلسطينيون بوقوعه فجأة، على غرار سياسات جدار الفصل العنصري وقضم الأراضي والاستيلاء عليها وإحلال المستوطنين وتفتيت الضفة وحصار غزة، وتعقيد يوميات الفلسطينيين بين العمل ومشاغل الحياة التي جعلتها المعابر والحواجز والمنافذ مهينة وشبه مستحيلة، وكل ذلك كان يصب في اتجاه "تطفيش" الفلسطيني بعد أن ييأس من إمكانية تغير أوضاعه نحو الأفضل.

طوفان الأقصى لم يكشف مسكّن "الكيان السياسي" الوهمي الذي كانت إسرائيل تحقنه في وريد الشعب الفلسطيني المنوَّم على هدهدات اتفاقيات أوسلو فحسب، بل إنه أحدث صدمة كبيرة على مستوى الوعي الجمعي المخدّر ما جعله يشعر بالكمّ الكبير من وخزات إبر المهدّئ وألمها على كامل جسده، لقد جعلته تلك الحُقن يستسلم لواقع إسرائيلي على أرض فلسطينية يريد أن يسحبها من تحت أقدامه بعد أن يقتلعه منها كما يفعل بأشجار الزيتون.

ولعل هذه الاستفاقة هي ما حدا بإسرائيل لأن تكشف عن حقيقة خطتها وتفضح عن نيتها المبيتة في تهجير الفلسطينيين، بعد أن كشرّ اليمينيون المتطرفون عن أنيابهم وأظهروا حقيقتهم في وضع يدهم على كلّ شبر من فلسطين انتقاما من مفجّري عملية الطوفان، ليتحوّل تفكيرهم الجاد منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، من خطّة "تهجير بالتقطير" إلى البحث عن خطة لترحيل شامل وممنهج لجميع فلسطينيي الضفة والقطاع في مدة زمنية قصيرة جدا، وليس من المستبعد أن يحدث الشيء نفسه مع فلسطينيي الداخل إذا ما نجحت معهما.

الاستفاقة هي ما حدا بإسرائيل لأن تكشف عن حقيقة خطتها وتفضح عن نيتها المبيتة في تهجير الفلسطينيين، بعد أن كشرّ اليمينيون المتطرفون عن أنيابهم وأظهروا حقيقتهم في وضع يدهم على كلّ شبر من فلسطين انتقاما من مفجّري عملية الطوفان، ليتحوّل تفكيرهم الجاد منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، من خطّة "تهجير بالتقطير" إلى البحث عن خطة لترحيل شامل وممنهج لجميع فلسطينيي الضفة والقطاع في مدة زمنية قصيرة جدا

على المستوى الإقليمي حرص الكيان الصهيوني على جرّ مزيد من الدول العربية نحو تطبيع علاقاتها معه، ليس فقط كمحاولة للقفز على خطة السلام التي اشترطت حل الدولتين، وبالتالي خلق بيئة إقليمية جديدة ترضخ لواقع إسرائيلي جديد، بل أيضا حتى ترضى الدول المطبعة بتبعات هذا الواقع والتي من بينها اضطرار الفلسطينيين إلى اللجوء خارج أراضيهم المحتلة من أجل فرضه.

وبالتالي لم يكن تطبيع تلك الدول العربية في أحدث موجة من موجاته فقط عبارة عن مد علاقات طبيعية مع الكيان الصهيوني، بل إنه دفع بكل دولة تبنته لأن تنشغل بقضاياها الأمنية بعيدا عن الأخرى، إنه شرّ مضاعف لمشروع الدول القومية الذي أنتجه الاستعمار، وعلى هذا الأساس فإنّ مفعول علاقات التطبيع هو مكمل لما أحدثته اتفاقيات "سايكس بيكو" والحدود المتوارثة عن الاستعمار من تمزيق في جسد الأمة العربية.

غير أنّ العائق أمام هذا المخطط هو سلاح المقاومة بالدرجة الأولى وسكان غزة والضفة لكونهم الحاضنة الشعبية ورصيد المقاومة للتجنيد، فالتهجير يروم تفكيك هذه المعادلة بما يؤدي إلى تجفيف منابع الصمود والحيلولة دون حصول المقاومة على رافد من القوة البشرية وإسناد لوجستي لطالما ضمنه لها سكان غزة، ومن ثمّ كشف الغطاء عنها، وعمليا حتى لو بقيت المقاومة لوحدها بعد التهجير فإنها ستقاتل دون مشروع دولة في ظل غياب الشعب.

وإذا كانت عملية تسليم حماس لسلاحها أو تحييده، كما يسعى إليه ترامب ونتنياهو، يعني آليا تصفية القضية الفلسطينية، فإنّ التهجير الذي يعتبر مرحلة سابقة عنها، يعتبر أعلى مراحل التطبيع، قياسا على عبارة لينين "الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية"، فهو لن يتمّ إلّا بتنسيق مع دول الجوار المطبعة التي لن توافق فقط على استقبال الكتلة البشرية المهجرة قسرا من غزة والضفة على أراضيها، بل إنها ستتواطأ في عملية طرد السكان إن لم تقم بتنسيق الجهود وتسهيل العملية مع جيش الاحتلال.

كيف لم يدر بخلد المطبعين منذ زيارة السادات لتل أبيب إلى غاية عقد اتفاقيات أبراهام أنّ من يذعن للتطبيع سيقبل في النهاية بالتهجير؟ لو أنّ الثور لم يفرّ من حظيرة البقر لما ذهبت بعد عام وراءه الحظيرة مثلما أخبرنا الشاعر أحمد مطر، أما وقد وقعت الفأس في الرأس وطبّع من طبّع فلا أقل من أن تعود جميع الثيران إلى الحظيرة ويوقن كلّ من بها أنّ التهجير لن يوقفه سوى يقينٌ صادق بجدوى سلاحٍ وذخيرة.
التعليقات (0)

خبر عاجل