تكبّدت الشركات المدرجة على مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" للبورصة الأمريكية خسائر ضخمة تجاوزت 2.5 تريليون دولار من قيمتها السوقية، الجمعة، وسط تصاعد المخاوف من ركود اقتصادي عالمي نتيجة
الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة.
وكانت الشركات التي تعتمد بشكل كبير على سلاسل توريد خارجية من بين الأكثر تضرراً، حيث انخفضت أسهم "آبل" بنسبة 9.3%، في حين هبطت أسهم "لولوليمون أثليتيكا" و"نايكي"، اللتين ترتبطان بعلاقات تصنيع في فيتنام، بأكثر من 9%.
وسجل مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" أكبر انخفاض له منذ حزيران/يونيو 2020، حيث تراجعت أكثر من 80% من أسهم الشركات المدرجة، وانخفض ثلثاها بنسبة لا تقل عن 2%. وخسر سهم "جيه.بي مورجان تشيس"، أكبر البنوك الأمريكية، 6.5 بالمئة بينما انخفض سهم جولدمان ساكس 7.1 بالمئة ومورجان ستانلي 6.8 بالمئة.
وفي هذا السياق، اعتبر غاريت ميلسون، المحلل الاستراتيجي للمحافظ الاستثمارية لدى "ناتيكسيس إنفستمنت مانجرز سوليوشنز"، أنّ: "الوضع يعكس حالة من الانسحاب الجماعي من المخاطر."
من جهتها، قالت شركة الوساطة "رايموند جيمس" التي أشارت إلى توقعات المستثمرين بحدوث ركود في عام 2025 "تقييمات أسهم البنوك تخبرنا بأن المستثمرين يميلون إلى ترجيح أن حالة الهبوط في البنوك تصبح حقيقة واقعة".
وقال المحلل في شركة ويلز فارجو، مايك مايو، إن الألم الذي تعاني منه البنوك على المدى القريب قد يدفعها إلى تقليص توقعات الأرباح نظرا لأن الرسوم الجمركية جاءت أشد من المتوقع.
وأضاف: "من المحتمل أن تحتاج البنوك إلى زيادة احتياطي مخصصات خسائر القروض في المستقبل"، وهو ما سيؤثر على الأرباح.
إلى ذلك، فاقمت الرسوم الجديدة في حجمها وتأثيرها تلك التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب خلال ولايته الأولى، حيث ألقت بظلالها على سلاسل التوريد العالمية، وأسهمت في تفاقم التباطؤ الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم، مما أثار حالة من الترقب والقلق في أوساط المستثمرين بشأن انعكاساتها على أرباح الشركات.
وبمختلف أنحاء العالم، انخفضت أسهم البنوك، اليوم الجمعة، وذلك بعد أن اجتاحت الأسواق مخاوف من حدوث ركود في أعقاب إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عن أعلى حواجز جمركية في قرن.
وقدّر محللو بنك "سيتي غروب" في تصريحات لموقع "بلومبرغ" الاقتصادي أن شركة "آبل" قد تخسر ما يصل إلى 9% من هامش أرباحها الإجمالية إذا اضطرت إلى تحمل التكاليف الإضافية الناتجة عن الرسوم المفروضة على الصين.
في المقابل، رأى الخبير الاقتصادي في "جي بي مورغان"، مايكل فيرولي، في حديثه لموقع "بلومبرغ" أن هذه الإجراءات تعادل أكبر زيادة ضريبية تشهدها البلاد منذ عام 1968، محذراً من أنها قد تؤدي إلى رفع الأسعار بنسبة تصل إلى 1.5% هذا العام، الأمر الذي من شأنه أن يدفع الاقتصاد نحو ركود حاد.
كما حذر محللو "جي بي مورغان" في تقرير استثماري من أن الرسوم الجمركية قد تؤدي إلى انزلاق الاقتصادين الأمريكي والعالمي نحو الركود خلال عام 2025.
وأوضح المحللون أن هذه التوقعات ليست مفاجئة، إذ سبق أن توقعوا بنسبة 40% دخول الاقتصاد الأمريكي في مرحلة ركود حتى قبل الإعلان عن تلك الإجراءات.
وكشف التقرير أن هذه السياسات التجارية غير المسبوقة ستفرض عبئاً ضريبياً إضافياً على المواطنين الأمريكيين يقدر بـ660 مليار دولار سنوياً، مما يمثل أكبر زيادة ضريبية في العصر الحديث.
كما توقع المحللون أن تساهم هذه الإجراءات في رفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 2%، مما يعكس ارتفاعاً في معدلات التضخم بعد سنوات من الانخفاض.
وأشار التقرير الذي نشرته لموقع "بلومبرغ" إلى أن "آثار هذه السياسة التضخمية ستكون بالغة الخطورة، حيث تمثل تطبيقها الكامل صدمة اقتصادية شاملة".
ولفت المحللون إلى أن تفاقم هذه الأزمة قد ينتج عن تراجع ثقة المستثمرين والمستهلكين، فضلاً عن أي إجراءات انتقامية قد تتخذها الدول الأخرى ضد الولايات المتحدة.
تراجعت الأصول الأمريكية
وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأصول الأمريكية بشكل ملحوظ، حيث هبط مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" بنسبة 4.8%. وفي المقابل، كان تأثير الأزمة محدوداً في الأسواق الأخرى، إذ سجل المؤشر الآسيوي العام تراجعاً بأقل من 1%، وهبط "ستوكس
أوروبا 600" بنسبة 2.6%، بينما ارتفع اليورو بنسبة 1.6% مقابل الدولار. وأغلقت بورصة وول ستريت على تراجع حاد، حيث خسر مؤشر "إس آند بي 500" 4.84%، ومؤشر "داو جونز" 3.98%، بينما هبط "ناسداك" بنسبة 5.97%.
وتراجعت الأسواق الأوروبية بدورها، حيث سجلت بورصة فرانكفورت انخفاضاً بنسبة 2.27%، وباريس بنسبة 2.69%، ولندن بنسبة 1.54%. كما شهدت أسعار النفط تراجعاً حاداً، إذ انخفض سعر خام برنت بنسبة 6.42% ليصل إلى 70.14 دولار للبرميل، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 6.64% ليستقر عند 66.95 دولار للبرميل.
وعلى الرغم من التراجع الحاد في الأسواق، أكد الرئيس الأمريكي أن الاقتصاد والأسواق سيشهدان انتعاشاً، مشيراً إلى أن البلاد "ستزدهر". لكن ردود الفعل الدولية لم تكن على نفس القدر من التفاؤل.
فيما دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الشركات الفرنسية العاملة في الولايات المتحدة إلى تعليق استثماراتها، فيما شددت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني على ضرورة إلغاء الرسوم بدلاً من زيادتها. من جهتها، حذرت منظمة التجارة العالمية من أن هذه الإجراءات قد تقلّص تجارة البضائع العالمية بنسبة 1% خلال العام.
أما الرئيس البرازيلي، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، فقد تعهد باتخاذ كل الإجراءات الممكنة لحماية الشركات والعمال، في حين أعلنت كندا فرض رسوم جمركية مضادة بنسبة 25% على واردات سيارات أمريكية، مؤكدة عزمها على تعزيز علاقاتها مع شركاء أوروبيين موثوقين. أما مملكة ليسوتو فقد أعلنت عن إرسال وفد إلى واشنطن للاحتجاج على رسوم بنسبة 50% فرضت عليها.
من جانبها، دعت بكين واشنطن إلى إلغاء الرسوم فوراً، ملوّحة برد مضاد. أما المفوضية الأوروبية فأكدت استعدادها للحوار، مع الاحتفاظ بخيارات الرد مفتوحة.
وحذرت تقارير اقتصادية من أن هذه السياسات الحمائية قد تدفع النمو العالمي إلى ما دون 2%. كما قدّر وزير الخزانة الأمريكي الأسبق لاري سامرز خسائر السوق بما يصل إلى 30 تريليون دولار.
وأثارت الإجراءات الأمريكية انتقادات واسعة من اليابان وأستراليا وبنغلادش، فيما أبدت فرنسا وألمانيا استعداداً للرد من خلال استهداف شركات تكنولوجيا أمريكية. وندد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز٬ بما وصفه بـ"العودة إلى الحمائية" التي تتناقض مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.
وتأتي هذه الإجراءات الأمريكية في إطار سياسة تستهدف الرد على ما تعتبره واشنطن حواجز غير جمركية تعيق دخول السلع الأمريكية إلى الأسواق الأجنبية. ورغم إعلان البيت الأبيض عن إعفاء بعض السلع من الرسوم، إلا أن آثارها ظهرت سريعاً مع إعلان شركة "ستيلانتيس" إغلاق مصنع "كرايسلر" في كندا مؤقتاً.
ويحذر خبراء دوليون، بمن فيهم مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، من أن الرسوم الجديدة تشكل تهديداً كبيراً على استقرار الاقتصاد العالمي.