أثار قرار عرض مسلسل "
معاوية" بالموسم الدرامي الرمضاني بعد تأجيله عامين، بعض الجدل، خاصة مع تجسيد العمل التاريخي الذي تنتجه
السعودية ثلاثة من العشرة المبشرين بالجنة، واثنين من آل بيت النبي، وهما إلى جانب أمهات المؤمنين، وبنات الرسول، فئات أربعة يرفض
الأزهر الشريف تجسيدها بشكل قاطع، بالسينما والدراما.
والثلاثاء، أطلقت مجموعة "إم بي سي" السعودية القائمة على الإنتاج الأضخم عربيا، الإعلان الترويجي له بعنوان "الملحمة التاريخية (معاوية)، قصة الإمبراطورية التي كتبت تاريخا لا يُنسى امتد من الشرق إلى الغرب"، وهو الإعلان الذي شاركته فيما أيضا منصة "شاهد".
وحمل الإعلان جملا كاشفة عن ماهية العمل منها وصف فترة المسلسل بأنها "عهد اختلف حوله المؤرخون، وإمبراطورية امتدت من الشرق إلى الغرب، وحكم جمع بين الدهاء والقوة، وملحمة سياسية كتبت تاريخا لا ينسى، ملمحا إلى رحلة معاوية من كاتب للوحي إلى أول ملوك الإسلام".
كاتب العمل الصحفي المصري خالد صلاح (56 عاما) مؤسس موقع "اليوم السابع"، القادم من خلفية إسلامية حيث بدأ حياته منتميا لجماعة "الجهاد" في مصر، ليتحول لاحقا عنها إلى التوجه الليبرالي، فيما شارك بالتمثيل ببعض الأعمال الفنية، آخرها مسلسلا "زلزال" و"حكايتي" عام 2019.
اختار الكاتب، فترة "الفتنة الكبرى" الأشد قسوة على دولة الإسلام عقب مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، على يد الخوارج، وما تلى ذلك من خلاف تاريخي بين والي دمشق معاوية بن أبي سفيان وخليفة المسلمين الرابع علي بن أبي طالب، والذي أدى في النهاية لظهور الدولة الأموية وتولي معاوية الحكم ليصبح وراثيا لعائلته، في تحول من عهد الخلافة الراشدة إلى الحكم الجبري.
العمل الذي يجري تقديمه باللغة العربية الفصحى، كان مقررا عرضه في الموسم الرمضاني 2023، وتكلف نحو 100 مليون دولار وفق بعض التقديرات، وتم تصوير أغلب مشاهده باستوديوهات "كارتاغو فيلم" بمدينة الحمامات بتونس، ومدن المهدية، والمنستير، والنفيضة؛ يجمع ثلة من الفنانين العرب، حيث يجسد شخصيتي "معاوية" و"علي بن أبي طالب"، السوري لجين إسماعيل والأردني إياد نصار.
ويشخص دوري الخليفة الثاني والثالث للمسلمين "عمر بن الخطاب" و"عثمان بن عفان"، و"عمرو بن العاص" و"أبي سفيان بن حرب"، السوريون: سامر المصري، وأيمن زيدان، ووائل شرف، وفادي صبيح، بجانب السعودي نايف الظفيري بدور "الحسن بن علي"، مع التونسية سهير بن عمارة بدور "هند بنت عتبة"، والمصرية أسماء جلال زوجة معاوية.
هناك أيضا، الأردنية صبا مبارك، والمصري أحمد بدير، والسوري يزن خليل، والتونسيون: عائشة بن أحمد، وجميلة الشيحي، ومحمد قريع، وحكيم بلكحلة، وياسين بن قمرة، وغانم الزرلي.
ويترقب كثيرون بالعالم العربي ما يقدمه مؤلف ومخرج وجهة إنتاج مسلسل "معاوية"، إذ يرى البعض أنه "سيكون محل جدل الشيعة والسنة"، مع تساؤلات: هل يقول الحقيقة في صحابي جليل أم يكون استمرارا لفتنة زرعها وأججها الغرب، وفق طرح اليمني أحمد الظامري.
"ردود فعل غاضبة"
ورفض البعض ظهور كبار الصحابة في العمل وبينهم الخلفاء الراشدون الثلاثة عمر، وعثمان، وعلي، إلى جانب معاوية، في مخالفة لما دأب عليه الأزهر الشريف في مصر بمنع تجسيد كبار الصحابة على مدار تاريخ السينما والدراما المصرية والعربية، وأيضا بالمخالفة لما دأب عليه علماء السعودية سابقا قبل موجة التحرر التي تقودها "هيئة الترفيه" قبل أعوام.
وفي عام 1926، أصدر الأزهر فتوى تمنع تصوير الأنبياء والصحابة على الشاشات الكبيرة.
وبالتزامن مع جدل مسلسل معاوية، أعادت "دار الإفتاء" المصرية نشر فتوى سابقة لها، مؤكدة على أن "الصحابة إذا أُظهِرُوا بشكل يناسب مقامهم من النبي وأنهم خيرة الخلق بعد الأنبياء والمرسلين فلا مانع من تمثيلهم إذا كان الهدف من ذلك نبيلا".
لكنها في نهاية الفتوى قالت: "ويُستَثْنَى من هذا الحكم: العشرة المبشرون بالجنة، وأمهات المؤمنين، وبنات المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وآل البيت الكرام؛ فلا يجوز تمثيلهم".
ويشخص مسلسل "معاوية"، ثلاثة من الصحابة المبشرين بالجنة وهم: "الخلفاء عمر، وعثمان، وعلي"، إلى جانب اثنين من آل البيت الكرام وهم: "الحسن والحسين".
وعام 2010، وخلال عرض مسلسل "عمر"، أكد الأزهر أن فلسفته في منع ظهور الصحابة أن مقارنة المشاهد بين الممثل والصحابي قد تقود لنتائج سلبية، داعيا صناع الدرامية التي تتناول سيرة النبي محمد والصحابة للاستعانة بالتقنيات الحديثة والحيل السينمائية.
"نصار ومثلية نتفليكس"
وأعرب البعض عن غضبه من تشخيص الممثل إياد نصار دور الإمام علي كرم الله وجهه، وذلك بعد أن شارك إياد في دور شخص مدافع عن الشذوذ الجنسي بفيلم "أصحاب ولا أعز"، عام 2022، من إنتاج منصة "نتفليكس" ذات التوجه نحو المثلية والتحرر الجنسي.
وهو أول فيلم عربي تنتجه "نتفليكس"، ومأخوذ عن الفيلم الإيطالي الشهير "Perfect strangers"، ومن بطولة إياد نصار، ومنى زكي التي قدمت مشهدا جريئا، ما وضعها وإياد نصار في ضوء الانتقادات لفترة طويلة، ما حدا بكثيرين لاعتبار تجسيده دور الإمام علي، إهانة لآل بيت النبي.
ورفض آخرون قيام إياد نصار، بدور الإمام علي، لما وصفوه باستهلاك صناع الدراما المصرية للممثل الأردني بأعمال درامية موجهة ومسيسة لتشويه شخصيات تاريخية ودينية، بجانب تجسيده دور ضابط إسرائيلي، ما رأى فيه البعض رمزية سلبية لتجسيد ذات الممثل لدور الإمام علي.
وقام نصار بدور مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا، بمسلسل "الجماعة" بجزأيه عامي 2010 و2017، ليشخص دور ضابط إسرائيلي بفيلم "الممر" عام 2019، ثم دوره بمسلسل "الاختيار 2" كضابط أمن وطني عام 2021، وذلك قبل أن يشارك بمسلسل "صرخة أنثى" عن التحول الجنسي عام 2007.
ويظل السؤال: لماذا ضربت السعودية عرض الحائط بمحاذير الأزهر في الدراما والتي لم يتخطاها كبار الممثلين والمنتجين المصريين طوال سنوات؟، مطروحا إلى جانب السؤال: إلى أين يقود تحرر السعودية مجال الدراما العربية؟
"ليست السابقة الأولى"
وفي رؤيته، قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي: "قبل ذلك تم عمل مسلسل الفاروق (عمر) للكاتب وليد سيف والمخرج حاتم على، وكان فيه تجسيد لكل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة".
وفي حديثه لـ"عربي21"، يرى الشناوي، أن "هذا جدل فقهي؛ والمفروض أن نعلو عليه طالما هناك أئمة يبحون تجسيد الصحابة، فلا مانع، مع احترامي قطعا لرأي الأزهر، ولكن من حق كل جهة أن ترى ما يتناسب معها".
وبخصوص قيام إياد نصار بدور مثلي الجنيسة وتجسيد دور الإمام علي الآن، أكد أنه "كممثل يقوم بكل ما يُعرض عليه، وبالتأكيد من عمل دور سيدنا عمر وهو السوري سامر إسماعيل عمل أدوارا كثيرة قد يكون منها نصاب أو حرامي أو حتى قواد، وفق الدور المعروض، والناس تعرف أن هذا تمثيل".
وفي نهاية حديثه يرى أنه "لا توجد أي مشكلة، وعلينا أن نتحلى بالمرونة في تقييم الأعمال الفنية، وننتظر عرض (معاوية)، بعيدا عن الغضب الذي نراه الآن؛ وبعد المشاهدة لكل مقام مقال، ولو هناك ملاحظات سلبية أو إيجابية سنقولها، لكن لنر المسلسل أولا".
"خطط التوجيه القيمي"
وفي رؤيته، قال الداعية الإسلامي الشيخ شعبان أبو بدرية، إن "ما عليه الرياض من صخب إعلامي ورياضي هو خضوع واستسلام لإملاءات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ ولايته الأولى، لضمان قبولهم تولى محمد بن سلمان الحكم كأول حفيد للملك عبدالعزيز متخطيا بعض أعمامه الأحق منه".
إمام مسجد "الهدى الإسلامي" في "مينيابولس" بولاية مينيسوتا الأمريكية، أشار لـ"عربي21"، إلى أن "ابن سلمان جعل يبرهن لهم على ولائه القيمي لحضارتهم، وعدائه للموروث الديني السلفي لمدرسة محمد بن عبدالوهاب، وقدم على ذلك براهين، وخطة محددة المعالم والمراحل لتحويل المجتمع السعودي".
وأضاف: "فكان مما قدمه الهوس الرياضي ودفع ملايين الدولارات لنجوم انقضت أعمارهم الافتراضية بملاعب الكرة، والهوس الفني بعمل ليالي فنية وسينمائية، معتمدا على شرطي سابق اسمه تركي من سلالة الشيخ بن عبدالوهاب، وأطلق يده بميزانيات ضخمة ومفتوحة، فاعتمد تركي على (هوليوود الشرق) مصر بممثليها ومغنيها، واللامعين من العرب".
وأشار إلى أنه "بعد أن كانت الجزيرة العربية بدولها ودويلاتها مجرد متلقين لصناعة السينما والدراما المصرية، أصبحت الآن مشاركة بالإنتاج، وهذا يعني أن تتبوأ مكانا في التوجيه القيمي، ومخرجات الأفلام والدراما من رسائل محددة وموجهة لجماهيرها".
وعن "تشخيص الصحابي الجليل معاوية، والإمام علي كرم الله وجهه، بأعمال فنية، وسكوت الأزهر عن ذلك وتخليهم عن فتوى له سابقة بتحريم تجسيد الصحابة بأعمال فنية، فقد سبقه هو ظهور نبي الله يوسف عليه السلام من إنتاج إيراني، والخليفة عمر بن الخطاب من إنتاج سعودي، وقبل بذلك علماء مسلمين كثر؛ ولذلك سكت الأزهر".
وعن علماء السعودية أكد أبو بدرية، أنه "تم تحييدهم عن منصة التوجيه والإفتاء بسجن معظمهم وتعذيبهم دون تحقيقات أو محاكمات، وسجن آخرين بأساور من ذهب المعز، وحبسهم بقصور فخمة بألوان النعيم، والمرتبات العالية والسيارات الفارهة، ولم يبق إلا أدعياء العلم من المدخلية الذين يفتون بالصمت على الحاكم وإن ظل يزني ويلوذ في التلفاز نصف ساعة، وفق زعمهم".
"مشروعية التوريث وبدليل تاريخي"
ويرى أن اختيار شخصية معاوية لتمثيلها يرجع لعدة أسباب، منها أنهم بالخليج ملوك يتوارثون الحكم، ومعاوية الصحابي -وإن تسمى خليفة- فإنه أول من ورث الحكم لولده، ووافقه على ذلك صحابة كرام، حتى وإن خالف الأربعة الكبار في عدم التوريث"، معتقدا أن بالمسلسل "بحثا عن مصداقية الحكم والتوريث مشفوعة بدليل تاريخي معتبر".
ويلفت الداعية الإسلامي، ثانيا، إلى أن "الانتصار للأمويين كفكرة وفكر بمواجهة التيار الشيعي الذي يزيد أنصاره بالخليج العربى، وبلدان عربية أخرى، والرد (ربما) على شبهات يثيرها الشيعة حول أحقية آل البيت بالحكم؛ وادعاؤهم أن الصحابة إلا قليلا خانوا عليا وآل البيت، وأن من يختلف مع الشيعة بهذا الطرح هو بالضرورة أموي".
وحول اختيار الأردني إياد نصار الذي مثل شخصية الإمام حسن البنا بمسلسل "الجماعة"، قال إنه "ربما يتمتع بمزايا جسدية ترشحه للعب هذه الأدوار، وهو ممثل جيد في تقمّصه للشخصيات، لكن القائمين على العمل كان عليهم اختيار ممثل لم يسبق له التمثيل كاحترام لشخوص الصحابة".
ولفت إلى أن "هذا كان أحد أسباب منع الأزهر سابقا لتشخيص الصحابة بالسينما والدراما التليفزيونية"، متوقعا أن "يقوم إياد هذا مستقبلا بعمل دور ( تركي آل الشيخ) فبينهما قواسم مشتركة على صعيد الملامح والجسد وأشياء أخرى".
وختم أبو بدرية بالقول: "المال الخليجي سيكون له أثر شديد المرحلة القادمة على مجريات الأعمال الفنية (غناء وأفلاما ومسلسلات)، وترشيح العاملين بهذه الأعمال سيجعل السعودية موطنا للفنون وسكنا للفنانين، وهذه قوى ناعمة تُستغل بتغيير المجتمعات فكريا وسلوكيا وأخلاقيا وقيميا، وذلك في مقابل تقزم مصر بكل مجال، وزحزحتها عن الصدارة الفكرية والإبداعية طوال عقد مضى".
وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، انتقد الكاتب أحمد ناجي، تقديم العمل وفق "رؤية سعودية إمبراطورية في مرحلة السعودية العظمى، متجاوزا كل الخطوط الحمر، بينما الأزهر لا نسمع منه سوى صوت صرصور الحقل"، وفق قوله.
وتساءل: "هل كان تجسيد الصحابة محرما وخطا أحمر حينما كان فنانون ومنتجون مصريون والدولة المصرية هي التي تقدم لرؤيتها لهذا التاريخ، لكنه حلالا بلالا حين يقدم جلالة الأمير الشاب محمد بن سلمان رؤيته؟".
وتابع: هل يمكن أن يشجع إنتاج هذه المسلسل، الرقابة والدولة المصرية على تجاوز معايير الأزهر والسماح للفنانين المصريين بإنتاج أعمال دينية وتاريخية وتجسيد الصحابة؟