رغم أن سنوات حكم رئيس النظام عبدالفتاح السيسي (2014- 2030) لمصر شهدت أكبر توسع في حجم أعمال شركات الإنشاءات والمقاولات والبناء والتشييد الخاصة والحكومية وتلك التابعة للجيش، إلا أنه ظهر مؤخرا توجه لدى بعض شركات الإنشاءات الخاصة والعامة الكبرى للتخارج من السوق
المصرية إلى دول أخرى.
أحدث تلك التوجهات، أعلنت عنها شركة "أوراسكوم للإنشاءات"، لتستكمل سلسلة قرارات اتخذتها في الآونة الأخيرة العديد من الشركات في قطاعات أخرى غير الإنشاءات، التي لم يكن لها الحظ نفسه من الازدهار كشركات المقاولات.
"إلى السعودية والإمارات"
وكشف الرئيس التنفيذي لشركة "أوراسكوم كونستراكشون" المصرية أسامة بشاي، أن الشركة تتطلع لتقليص أعمالها داخل مصر لتشكل ثلث إجمالي أعمالها بحلول 2026، تزامنا مع توسعها في الخارج، خصوصا في السعودية والإمارات، وفق تصريح لموقع "الشرق".
بشاي، أشار إلى عدة أزمات كانت السبب في رغبة الشركة التخارج من السوق المصرية، بينها تأخر تحصيل المستحقات من الجهات الحكومية، إلى جانب استمرار ضبابية تسعير العملة المحلية مقابل
الدولار، وعدم توافر مدخلات البناء، وتأخر صرف متأخرات فروق العملة، وهي الأسباب التي أعلنت عنها الشهر الماضي عدة شركات خاصة وعامة أخرى اتخت ذات القرار.
إظهار أخبار متعلقة
"أوراسكوم كونستراكشون"، لها أهمية كبرى وسابقة أعمال واسعة، ويمتلك رجلا الأعمال ناصف ساويرس وسميح ساويرس نسبة 42.36 بالمئة، و12.5 بالمئة على التوالي من أسهم الشركة، حيث تمثل حصة عائلة ساويرس والكيانات التابعة لها 54.86 بالمئة.
أعمال الإنشاءات المدنية والكهربائية بمحطة إنتاج الطاقة من الرياح في رأس غارب بالبحر الأحمر شرق البلاد، كانت آخر أهم أعمال "أوراسكوم كونستراكشون"، التي بدأت الإنتاج بقدرة 306 ميغاوات بقدرة 650 ميغاوات، بنظام البناء والتملك والتشغيل (BOO) مدة 25 عاما إلى جانب تحالف شركات عالمية.
وفي توجهها للسوق السعودي، وقعت "أوراسكوم كونستراكشون" و"تكنيكاس ريونيداس" الإسبانية عقدا مع تحالف سعودي، لتنفيذ أعمال توسعة محطة " لإنتاج الكهرباء بالمنطقة الشرقية بالسعودية، بتكلفة 2.6 مليار دولار.
وفي الإمارات، انضمت "أوراسكوم كونستراكشون" لائتلاف يتولى إنشاء مشروع لتطوير وتشغيل مرافق لمعالجة مياه البحر، وشبكة لنقل وتوزيع المياه المعالجة.
"حسن علام والمقاولون"
وكان مسؤولون بشركات مقاولات "حسن علام"، و"المقاولون العرب"، و"كونكريت بلس"، و"سامكريت مصر"، قد أكدوا 4 آذار/ مارس الماضي، ذات التوجه بتقليص الأعمال محليا، والتوجه نحو توسيع أعمالهم بقارة أفريقيا ودول عربية كالعراق وليبيا والخليج العربي.
حينها، أعرب مسؤولون من "حسن علام" عن تطلع الشركة لمضاعفة أعمالها بالسعودية، والإمارات، وسلطنة عمان، وليبيا، والعراق، كاشفة عن تعاقدات بالخارج بقيمة 2.5 مليار دولار.
كما أعلنت "المقاولون العرب"، تعاقدها لتنفيذ جسرين بمدينتي درنة وسوسة بليبيا، إلى جانب اعتزام "سامكريت مصر" دخول سوق السعودية لأول مرة، وزيادة حجم أعمالها بأفريقيا إلى ملياري دولار.
وأيضا، كشفت "كونكريت بلس" عن دراسة 5 مشروعات بالسعودية باستثمارات تقارب 3 مليارات ريال، وتنفيذ مشروع تجاري باستثمارات ما بين 30 إلى 40 مليون دولار في سلطنة عمان.
إظهار أخبار متعلقة
وجاءت الشركات المصرية بالمرتبة الثالثة في قائمة الجنسيات الأكثر تأسيسا للشركات في دبي خلال النصف الأول من عام 2024، بعد الهند وباكستان، كما تصدرت قائمة الاستثمارات الأجنبية في السعودية، مسجلة أعلى نسبة من الشركات المرخصة الجديدة.
"قنبلة وفقاعة"
وهو السياق، الذي كان قد سبقه تحذير من رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس في 20 كانون الأول/ ديسمبر 2023، من "قنبلة موقوتة" بقطاع العقارات المصري، نظرا لارتفاع كلفة البناء بسبب أزمة الدولار.
بل إن ساويرس الأكبر لم يكتف بذلك التحذير لكنه وفي كانون الثاني/ يناير الماضي، باع لشقيقه ناصف ساويرس حصته في "أوراسكوم كونستراكشون" مقابل 8.91 مليون دولار، ونقل أصول أخرى.
وتأتي رغبة أوراسكوم للإنشاءات وحسن علام، والمقاولون العرب، وكونكريت بلس، وسامكريت مصر، في ظل ما يثيره الخبير
الاقتصادي المصري هاني توفيق، عن تفاقم حجم الفقاعة العقارية في مصر، واحتمالات تضرر القطاع والشركات العاملة فيه، بفعل تشبع السوق المصرية من العقار.
كما تأتي رغبة تلك الشركات بتقليص أعمالها في مصر، إثر إعلان حكومي بتقليص الإنفاق على هذا القطاع نهاية كانون الثاني/ يناير الماضي، وقرار بخفض 15 بالمئة من الإنفاق الاستثماري بميزانية العام المالي الجاري 2023-2024، وحظر إبرام أية تعاقدات على تلك المشروعات حتى نهاية السنة المالية.
وتواجه مصر أزمات سياسية واقتصادية مع مواصلة التوترات الجيوسياسية والحرب الدموية الإسرائيلية على قطاع منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إلى جانب ضعف السيولة الدولارية مع تراجع إيرادات السياحة، وقناة السويس، والصادرات، وتراجع قيمة
الجنيه (50.58 جنيه للدولار).
الأمر الذي أثر على خامات ومواد البناء التي تشهد عدم استقرار، ففي كانون الثاني/ يناير 2024، قفز سعر حديد التسليح 80 بالمئة ليصل إلى 50 ألف جنيه للطن.
وتراوحت أسعار الحديد الخميس بين 32.500 إلى 39.871 ألف جنيه، فيما سجل سعر طن الأسمنت 3570 جنيها، وسط تذبذب بين الصعود والهبوط مدفوع بضغوط ندرة العملة الصعبة، الذي أدى لتراجع الطاقة الإنتاجية لمصانع المنتجين.
"4 أسباب للتخارج"
وعن أسباب فقدان سوق العقار المصري جاذبيته، وتوجه كبرى شركات الإنشاءات للتخارج من السوق وتقليص أعمالها به والتوجه للخارج، تحدث السياسي المصري سمير عليش، إلى "عربي21".
وأشار إلى أسباب أولها: "تشبع السوق المحلي من العقار وسط وفرة كبيرة من المعروض"، لافتا، ثانيا: إلى "عدم ثقة الشركات المحلية العاملة بمجال العقارات في استقرار سياسات تخارج الدولة من المنافسة"، ملمحا ثالثا: إلى "عدم الثقة كذلك بمخططات التنمية الاقتصادية".
وأوضح أنه إلى جانب ما سبق، تظل "القبضة الأمنية للحكومة المصرية التي قد تؤدي إلى الانفجار، إحدى أهم أسباب قلق تلك الشركات".
وقال؛ إن "هناك خسائر متوقعة على الاقتصاد من ذلك التقليص والتخارج لأعمال شركات المعمار الكبرى"، مؤكدا أنه "بالقطع ستتأثر معدلات التنمية الاقتصادية بالسلب، مع ما يطال العمالة المصرية من أزمات منها زيادة نسب البطالة".
وردا على اعتقاد البعض بأن عمل تلك الشركات في الخارج فرصة لكسب عملات صعبة وإعادة ضخها للسوق المحلي، يرى أن "تلك الشركات لن تغامر بإرجاع أموالها مرة أخرى لسوق محفوف بالمخاطر".
"تقلبات سوق الصرف"
وقال الخبير الاقتصادي المصري الدكتور أحمد خزيم، لـ"عربي21"؛ إن "أي سوق يكون فيه سوق الصرف عرضة للتقلبات السريعة والمفاجئة وغير المعلنة يُلقي بظلاله على الأعمال، وكلما تمر السوق بمرحلة من تحرير أو تعويم سعر الصرف، تقفز فيه الأسعار وتنخفض فيه القدرة الشرائية للجنبه، كما حدث بالتراجع من 8 جنيهات إلى 16 ثم 20 و22 وإلى 30 ثم حتى معدل 50 جنيها منذ آذار/ مارس 2024".
وأوضح أن "هذا يؤدي أولا إلى اختلال رهيب في الهياكل المالية لهذه الشركات، وثانيا فإن انخفاض القوة الشرائية للجنيه يؤدي إلى تأثر التعاملات في العمليات الإنشائية طويلة الأجل، ما يؤدي إلى اضطرار بعض شركات المقاولات والتطوير العقاري لفسخ العقد مع العميل وطرح الوحدات بأسعار أعلى من السابق؛ لأن مستلزمات الإنتاج في تصاعد، من حديد وإسمنت مواد بناء وخلافه".
إظهار أخبار متعلقة
ولفت إلى أنه "مع عرض كثير جدا للوحدات وطلب أقل بكثير، ومع هذا النوع من الأنشطة التي يتم بيعه وتسويقه من خلال أقساط، فإن المشترين يحدث لهم نتيجة للتضخم ونتيجة لانخفاض القوة الشرائية، حالة من الانحدار في الصرف من مداخيلهم، ومن ثم يتعثرون في عمليات السداد، ما يؤثر على التدفقات النقدية لشركات المقاولات".
ومضى يؤكد أن "هناك أكثر من سبب لتخارج تلك الشركات من السوق المحلية ورغبتها في العمل بالخارج، أولا عدم انتظام سعر الصرف، وعدم انتظام أسعار المدخلات في هذا النوع من الصناعة، ووجود فقاعة عقارية مع ارتفاع الأسعار المبالغ فيه جدا، ومن ثم وببساطة شديدة، فإن خسائر أقل مشروع بقطاع التطوير العقاري وشركات المقاولات، قد تؤدي لانهيار شركة بالكامل".
وأشار إلى أن "هذا ما حدث بالضبط مع شركات الصناعة، والأمر لم يطل فقط قطاع الإنشاءات، بل طال قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات وكل القطاعات الاقتصادية، نتيجة تحملها الأعباء مثل تكاليف النقل وغيره، التي ترتفع مع رفع أسعار الوقود والكهرباء".
وأوضح أن "هذا الكم من الأزمات يأتي مع انخفاض القدرة على التسويق وتراجع القدرة على الشراء، في مقابل كمية كبيرة من المعروض في المدن الجديدة".
وخلص للقول؛ إن "تخارج تلك الشركات ليس مرتبطا بقطاع الإنشاءات الأكثر نشاطا، لكن تغير الحالة السعرية وقفزاتها أدى إلى إحجام غير عادي، كما أن سوق العقارات غير مفتوح بالقدر الكافي؛ لأنها شريحة صغيرة تتداول كل ما يحدث في العاصمة الإدارية والمدن الجديدة مثل العلمين، لا تتجاوز نصفا بالمئة من السوق وفقا للأرقام المعلنة".
"ليست العقارات وحدها"
ويرى أنه "من ثم، فتقليص تلك الشركات أعمالها المحلية أمر طبيعي، سبقه قطاع صناعي متعثر ومستثمرون تخارجوا أو قللوا وجودهم في السوق المحلي، وقطاع سياحي أيضا متعثر؛ لأنه في بيئة جباية وفرض رسوم جبائية، تكرارها طوال الوقت يلقي بظلال سلبية على كل القطاعات الهيكلية".
ولفت إلى بعض خسائر السوق المحلية من تقليص أعمال شركات الإنشاءات الكبرى، أو التخارج من أكبر قطاع به عمالة يومية وموسمية على بطالة تلك العمالة وفقدان مداخيلها، مشيرا إلى تضارب تصريحات الحكومة المصرية عن نسب ومعدلات البطالة التي حددتها بـ14 بالمئة، مع تصريحات المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، الذي أكد وصولها 45 بالمئة".
وفي نهاية حديثه، أكد أن "الشركات التي تخرج من السوق المصرية تخسرها مصر حتى على مستوى التحصيل الضريبي، خاصة أن الجزء الأكبر من دخل الدولة منها، وثانيا كثير من العاملين سيفقدون وظائفهم، كما أن معادلة دوران رأس المال ستقل، وتقل من ثم الأعمال التي تعتمد على تعاون الحكومة والقطاع الخاص، ومن ثم تتقزم الطبقة الوسطى وتتأثر".
"أهمية القطاع"
ويلجأ المصريون العاملون بالخارج إلى الحفاظ على مدخراتهم عبر استغلالها في قطاعي الذهب والعقارات، حيث هناك إقبال كبير منهم لشراء قطع أراض وشقق سكنية في المدن الجديدة، وخاصة في تلك التي لم تنفجر أسعارها بشكل يفوق قدراتهم، وبينها مدن العبور والشروق وبدر والعاشر من رمضان شرق القاهرة وقرب العاصمة الجديدة، إلى جانب مناطق عمرانية عديدة غرب القاهرة في محيط مدينة السادس من أكتوبر والشيخ زايد.
وإزاء تراجع الطلب على العقار في السوق المحلي، لجأت الحكومة المصرية إلى فكرة التسويق الخارجي للمصريين بالخارج وللأجانب أيضا، حيث جعلت تصدير العقار عبر التسويق الإلكتروني، وعبر سفارات مصر في الخارج على رأس أولوياتها، وفقا لتصريح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي 27 آذار/ مارس الماضي.
ويوجد لاعبون محليون وإقليميون ودوليون في سوق العقار المصري، وتعد "أوراسكوم للتنمية مصر"، و"كونكت هومز"، و"إعمار مصر"، و"أفنيوز العقارية"، و"كولدويل بانكر مصر"، لاعبين رئيسيين في سوق العقار المصري.
ووفقا لصحيفة أخبار اليوم الحكومية، فإن مصر تمتلك سوقا عقاريا ضخما، يمثل 20 بالمئة من الناتج المحلي، فيما تنافس الدولة المصرية بشكل كبير في قطاع العقارات والطرق والبناء والتشييد عبر وزارة الإسكان، وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة تمتلك (49 بالمئة من العاصمة الإدارية).
وذلك إلى جانب عملاق الإنشاءات العسكرية الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، التي حصلت على أكبر قطعة من كعكة العقارات في العاصمة الإدارية والعلمين والجلالة وغيرها من المدن الجديدة، وذلك إلى جانب جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة، اللذين يمتلكان (21.6 بالمئة) و(29.4 بالمئة) من العاصمة الإدارية.
وفي ظل موقع مصر على البحر المتوسط شمالا، والبحر الأحمر شرقا، ونهر النيل وسط البلاد، ومساحات شاسعة من الأراضي غرب وشرق العاصمة، تتبارى الصناديق والشركات العربية السعودية والإماراتية بشكل خاص للحصول على أراضي ومشروعات إنشائية، فيما توجت الإمارات قائمة أعمالها بأكبر صفقة عقارية بتاريخ مصر في رأس الحكمة بالساحل الشمالي الغربي لمصر مقابل 35 مليار دولار.
وفي 30 كانون الأول/ ديسمبر 2024، أكد رئيس غرفة تطوير العقار في مصر طارق شكري، أن مبيعات العقارات في مصر شهدت في 2024، نموا سنويا قياسيا بنسبة 65 بالمئة، إلى 2.5 تريليون جنيه، مقابل 1.5 تريليون جنيه في 2023.
وقدرت تقارير أبحاث شركة "موردور إنتليجنس"، حجم سوق العقارات السكنية في مصر بنحو 20.02 مليار دولار في 2024، متوقعة أن يصل إلى 33.67 مليار دولار بحلول عام 2029، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 10.96 بالمئة.
وفي 31 آذار/ مارس الماضي، توقعت "كابيتال نيوز"، وصول قيمة سوق العقار التجاري بمصر 402.60 مليار دولار عام 2025، بحسب مؤسسة "statista" للأبحاث.
ومنذ قرار الحكومة المصرية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، بتعويم الجنيه، يشهد السوق صعودا رهيبا في الأسعار، التي تفوق قدرة ملايين المصريين من الطبقات الفقيرة والوسطى.
ويبلغ متوسط سعر الشقق بغرفة واحدة 5 ملايين جنيه بالقاهرة الجديدة و7 ملايين جنيه للثلاث غرف، التي تبلغ بمدينة الشيخ زايد أكثر من 8 ملايين جنيه، فيما تبدأ أسعار الشقق بغرفة واحدة من 3.713 مليون جنيه، بالعاصمة الجديدة لتبلغ الثلاث غرف 4.800 مليون جنيه، بحسب موقع "ماي بيوت".
وفي مدينة مدينتي، يصل سعر الفيلات ذات الخمس غرف 35 مليون جنيه، فيما تصل مثيلاتها بالقاهرة الجديدة لحوالي 27 مليون جنيه، ونحو 13 مليون جنيه في 6 أكتوبر، وحوالي 9 ملايين في مدينة المستقبل.